منير سلطان

234

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

والذي حدا بالأشاعرة إلى نفى السجع أنهم ظنوا أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، قد ذمه في حديث الجنين حين قال : « أسجع كسجع الكهان » ، مما أدى بالباقلانى أن يرى أن السجع مذموم ، فلا يصح أن يكون في دليلا على نبوته عليه الصلاة والسلام « 1 » . وقد أخطأ الباقلاني فيما ذهب ، فهذا السجع المقصود هو الركيك منه الذي لا يقع إلا في كلام الضعفاء ، ومنه نوع آخر يقع فيه اللفظ موقعه الرائع ، وهو في ذلك تابع للمعاني وهذا هو النوع المحمود منه الذي جاء المأثور الصحيح عن بلغاء الجاهلية وفصحاء الاسلام وورد في أحاديث الرسول على أكمل وجه وأتم نسق اتفق وجوده في كلام البشر ، وإليه يريغ المثبتون للسجع في القرآن القائلون بأن ما كان منه كذلك هو نهاية النهايات وأبعد الغايات في البلاغة ، وقد بان بطلاوته وصفاء لفظه وتمكن معناه ، عن جميع ما جرى هذا المجرى من كلام الخلق « 2 » . وهكذا ، يكاد الطريق بين المدرستين يتجه اتجاها واحدا في النظرة إلى السجع ، لولا أن خرج على رأى الرماني ، ابن سنان الخفاجي الحلبي ، فتحول الطريق إلى اتجاهين ، الاتجاه الأول الذي كان في بيئة الأشعرية ، وذلك الاتجاه الاعتزالى الذي نادى به الخفاجي ، معترفا للقرآن بوجود السجع فيه ، وتابعه في ذلك - ابن حمزة العلوي « 3 » وابن الأثير « 4 » وسار الأمر . الإعجاز بين المعتزلة والأشاعرة : استطاع المتكلمون - معتزلة وأشاعرة - أن يبنوا صرحا هائلا في الفكر الإسلامي برغم بلاء الفقهاء والأدباء واللغويين - كل في ميدانه - بيد أن بلاء المتكلمين كان أشد وصوتهم كان أعلى ، وذلك حين تكلموا في مسائلهم الفلسفية المدافعة عن العقيدة أمام هجوم الطاعنين .

--> ( 1 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 58 . ( 2 ) السيد أحمد صقر - مقدمة تحقيق إعجاز القرآن للباقلاني - 75 . ( 3 ) ابن حمزة العلوي - الطراز - 3 / 19 و 20 . ( 4 ) ابن الأثير - المثل السائر - 271 .